سندويشات تعيد الزمن... نكهات بسيطة تحفظ دفء الطفولة وذاكرة اللبنانيين
قد تكفي رائحة مألوفة أو نكهة قديمة أو حتى ملمس طعام اعتاده المرء في سنواته الأولى، كي تنفتح أمامه أبواب ذكريات ظنّ أنها غابت إلى الأبد. ويتصدر الطعام قائمة المحفزات القادرة على إيقاظ الماضي، سواء من خلال مذاقه أو رائحته أو شكله، لتتحول كل قضمة، أو «كدشة» وفق التعبير اللبناني، إلى رحلة سريعة نحو زمن يشتاق إليه الإنسان ويتمنى لو يستطيع الرجوع إليه.
ومن بين السندويشات المرتبطة بهذه الذاكرة أطعمة شديدة البساطة، مثل الطحينة مع السكر، والبيض مع البطاطا، والزعتر مع الزيت. ورغم تواضع مكوناتها، فإنها تحمل في داخلها صوراً ومشاعر تتجاوز قيمتها الغذائية، وتستعيد لحظات عائلية ومدرسية ويومية بقيت راسخة عبر السنوات.
وقد يربط بعض الناس أكلة أو سندويشاً بعينه بمرحلة من الحرب أو الجوع، لكن هذا الارتباط القاسي لا يمحو بالضرورة لحظة السعادة التي عاشوها أثناء تناوله. ففي كثير من الأحيان، تبقى بهجة اللقمة حاضرة في الذاكرة، وتنتصر الذكرى الجميلة على صعوبة الظروف التي أحاطت بها.

الشم والتذوق بوابتان إلى الماضي
يشير علماء النفس إلى وجود صلة وثيقة بين حاستَي الشم والتذوق من جهة، والذاكرة من جهة أخرى. فالروائح والنكهات تُعدّ من أقوى المحفزات التي تعيد إلى الإنسان تفاصيل كان يعتقد أنها تلاشت. وما إن يتذوق لقمة اعتاد تناولها في طفولته، أو يشم رائحة خبز خرج لتوه من الفرن، حتى يعود ذهنياً إلى منزل العائلة أو ساحة المدرسة أو جلسة بسيطة جمعت أفراد الأسرة حول المائدة.
بهذا المعنى، يتحول الطعام إلى أرشيف حيّ لا يحتفظ بالمذاقات وحدها، بل يصون المشاعر المرتبطة بها أيضاً. فالنكهة قد تستحضر وجوهاً وأصواتاً وأماكن وتفاصيل يومية صغيرة، لتعيد تشكيل لحظة كاملة من الماضي بمجرد تذوقها أو استنشاق رائحتها.
ولا تتصل هذه الذكريات دائماً بأطباق فاخرة أو وصفات معقدة، بل غالباً ما تنبع من أطعمة في غاية البساطة. فقد يترك سندويش أعدّته الأم على عجل أثراً لا تمحوه السنوات، وكذلك قطعة خبز غُمست في زيت الزيتون والزعتر، أو رغيف ساخن خرج للتو من فرن القرية.
ولا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الأطعمة في مكوناتها بقدر ما ترتبط بالأشخاص الذين شاركوا تلك اللحظات، وبما رافقها من إحساس بالأمان والدفء. لذلك تبقى لقمة عادية قادرة على حمل معنى يفوق أحياناً ما تمنحه أكثر الموائد ثراءً وتعقيداً.

ذاكرة اللبنانيين بين الاغتراب والحرب والقرية
تختلف محطات الذاكرة الغذائية بين فئات اللبنانيين، إذ يحمل كل شخص علاقته الخاصة مع رائحة أو نكهة بعينها. فالمغترب، على سبيل المثال، قد توقظ فيه رائحة الزعتر حنيناً جارفا إلى الوطن، وتعيد إليه تفاصيل البيوت والأحياء والموائد التي ابتعد عنها.
أما أبناء جيل السبعينات الذين عاشوا سنوات الحرب، فيحتفظون بنكهات أطعمة بسيطة كان معظمها سندويشات متواضعة المكونات، لكنها تركت أثراً عميقاً في وجدانهم. وعلى الرغم من ارتباطها بفترة شديدة القسوة، فإنها بقيت شاهدة على لحظات فرح صغيرة صنعتها لقمة وسط ظروف صعبة.
وبالنسبة إلى الذين أمضوا طفولتهم في القرى، قد تكون رائحة خبز الصاج وحدها كافية لإعادتهم إلى أيام ما زالت حاضرة في وجدانهم. فالرائحة تستحضر المكان وأهله، وتعيد صور الحياة الريفية والخبز الساخن واللقاءات العائلية التي التصقت بتلك المرحلة.
وإذا سُئل أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر لديه مرحلة الحرب اللبنانية، فمن المرجح أن يختار «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة»، وهي واحدة من السندويشات التي بقيت نكهتها مرتبطة بتلك الحقبة وذكرياتها.